السيد أحمد الهاشمي
36
جواهر البلاغة
فأما الخطب بين السّماطين ، وفي إصلاح ذات البين ، فالإكثار في غير خطل ، والإطالة في غير إملال . وليكن في صدر كلامك دليل على حاجتك فقيل له : فإن ملّ المستمع الإطالة التي ذكرت أنها حق ذلك الموقف ؟ قال : إذا أعطيت كل مقام حقه ، وقمت بالذي يجب من سياسة ذلك المقام ، وأرضيت من يعرف حقوق الكلام ، فلا تهتم لما فاتك من رضا الحاسد والعدو ، فإنه لا يرضيهما شيء . وأما الجاهل فلست منه ، وليس منك . وقد كان يقال : « رضاء الناس شيء لا ينال » « 1 » . 7 - ولابن المعتز : أبلغ الكلام : ما حسن إيجازه ، وقلّ مجازه ، وكثر إعجازه ، وتناسبت صدوره وأعجازه « 2 » . 8 - وسمع خالد بن صفوان رجلا يتكلم ، ويكثر الكلام . فقال : اعلم - رحمك اللّه - أن البلاغة ليست بخفة اللسان ، وكثرة الهذيان ، ولكنها بإصابة المعنى ، والقصد إلى الحجة « 3 » . 9 - ولبشر بن المعتمر فيما يجب أن يكون عليه الخطيب والكاتب : رسالة من أنفس الرّسائل الأدبية البليغة ، جمعت حدود البلاغة وصورتها أحسن تصوير . وسنذكر مع شيء من الإيجاز ما يتصل منها بموضوعنا - قال : خذ من نفسك ساعة نشاطك ، وفراغ بالك ، وإجابتها إياك ، فإن قليل تلك الساعة أكرم جوهرا ، وأشرف حسبا ، وأحسن في الأسماع وأحلى في الصدور ، وأسلم من فاحش الخطأ ، وأجلب لكل عين وغرّة من لفظ شريف ، ومعنى بديع . واعلم أن ذلك أجدى عليك : مما يعطيك يومك الأطول بالكدّ والمطاولة والمجاهدة ، وبالتكليف والمعاودة . وإيّاك والتوعّر ، فإن التوعر يسلمك إلى التعقيد ، والتعقيد هو الذي يستهلك معانيك ، ويشين ألفاظك ، ومن أراد معنى كريما فليلتمس له لفظا كريما ، فإن حق المعنى الشريف اللفظ الشريف ، ومن حقّهما أن تصونهما عما يفسدهما ويهجّنهما . . .
--> ( 1 ) . البيان والتبيين ، جزء 1 ، ص 91 ، 92 . ( 2 ) . نهاية الأرب ، جزء 7 ، ص 11 . ( 3 ) . مختار العقد الفريد ، ص 98 .